محمد أبو زهرة

3689

زهرة التفاسير

ثم انتقل قول العزيز الحكيم إلى خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال سبحانه : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ من هذا البيان الذي بيّن الحق وأزهق الباطل ، والمرية هي الشك ، والأمر يمتد لمن خاطبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لأنه نهى على أبلغ الصور ؛ لأنه إذا كان نهيا من اللّه تعالى لنبيه المصطفى الذي لا يزيغ قلبه ولا يرتاب فأولى بهذا النهى ثم أولى الذين ربما يعتريهم ذلك وهم من أرسل إليهم . وأكد سبحانه النهى عن الريب بقوله تعالى : إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ والضمير يعود إلى البيان والقرآن ، والحق هو الأمر الثابت الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد جاء من ربك الذي خلقك ودبر أمورك بحكمته . وقد أكد سبحانه وتعالى أنه الحق ب ( إنّ ) المؤكّدة ، وبأنه من ربك الذي خلق فقدر وهدى ، فاجتمع له فضلان فضل ذاتي لأنه الحق في ذاته ، وفضل إضافى يؤكد أنه الحق ، وهو أنه من عند اللّه . ثم قال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ الاستدراك هنا معناه ، أن مقتضى الإسلام بينة وبرهان ، وأنه حق ثابت أن يؤمن الناس جميعا ما دامت لهم عقول تدرك وقلوب تؤمن ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ، وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى أن أكثر الناس لهم قلوب ليس الإيمان من شأنها بل هم دائما متمردون على الحق وظلم الحقيقة ، وهم مفترون على اللّه تعالى ويكذبون عليه ، ولذا قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) . إن الكفر مباءة للآثام ، تعيش فيه وتفرخ ، ويتبع الإثم إثم مثله ، ويأخذ بعضه بحجز بعض في سلسلة متصلة تبدأ بالشرك باللّه تعالى ثم بالكذب عليه بتحريم ما أحل اللّه على أنه من عند اللّه ، والجحود بما أنزل سبحانه والافتراء عليه تعالى وفساد اعتقادهم بأن يعبدوا الأوثان ويقولوا إنهم شفعاؤنا . وهكذا يكون الشرك كالمعاطن التي تحوم حولها الحشرات والجراثيم وكل الموبقات .